Your search
Results 39 resources
-
سأحدّثكم كلّ أسبوع عن شخصيّة من الشخصيات التي عرفتُ في حياتي، وهي كثيرة ذلك أنّ الأيّام تمرّ وتغمر بالنّسيان أناسا كانت لهم خصائص وخصال، رجال ونساء تركوا في الذّاكرة منّى صورة ومكانة. قد أذكّركم بأناس عرفتموهم ولكن بهتت ذكراهم في أذهانكم، وقد أروي لكم تفاصيل ما عرفتموها رغم معرفتكم بالشخوص ذاتها. ذلك من المؤسف حقّا ـ في اعتباري ـ أن لا يبقى منهم ما يبصّر جيلنا والقادم عن حقائق ومزايا وخصال أناس ملؤوا دنيانا قيما وأخلاقا ومثّلوا في وقتهم مراجع في النّبل والإخلاص والإيمان الصّافي الصّادق البعيد عن كلّ ابتذال أو تديّن مريب.
-
هو سابع متفقّد للتعليم الابتدائي في «الإيالة» التونسيّة. كان يمكن أن يكون طبيبا أو مهندسا أو عالما أو أيّ نابغة وفي أيّ ميدان لولا أن حكمت عليه ظروف قاهرة بأن يترك التعليم جالسا ليدخله واقفا معلّما أمام تلاميذه، ثمّ متفقّدا فأستاذا للأدب العربي والفرنسي، وحتّى الانقليزي. ولقد أجمع كلّ من عرف الرّجل سواء ممّن تتلمذوا عليه أو عاشروه أو زاملوه على أنّه مثال للاستقامة ونبل الأخلاق ورفعة المستوى، فلقد ألزم نفسه ما لا يلزم، وكانت الصادقية بالنّسبة إليه قلعة من قلاع العلم فرض على نفسه جدارة الانتماء إليها فكرا وسلوكا.
-
لم تشهد جزيرة جربة في تاريخها (لا قبل ولا بعد) جنازة في حجم جنازة المرحوم طيّب الذّكر عبد الحميد القاضي. فلقد حضر مراسم توديعه الوداع الأخير ومواراته التراب أكثر من عشرين ألفا من كلّ الأعمار والأطياف، ومن كلّ المستويات والوظائف، ومن كلّ الجهات والمدن. وبقدر ما كانت وفاته فجئيّة، بقدر اللّوعة والأسى اللّذيْن غمرا القلوب حزنا وأسفا على رحيل رجل أحبّه النّاس لصفاته الفضلى، ومآثر له ظلّت حديثهم إلى يوم النّاس هذا. ولا يُذكر اسمُه ـ ما يزيد عن الخمسين عاما بعد وفاته ـ إلاّ بالثّناء والتوقير.
-
حرصتُ جدّا ـ ظهر اليوم ـ على أن أحضر موكب دفنه، ما كلّفني ساعة وبعضها تائها في الجادّات ما بين طوابي الماي، فلم يكن من السهولة بمكان الوصول إلى المقبرة لولا طيبة الأهالي، وتطوّع نساء القرية لإرشادي، ولمّا لم أهتد إلى المكان قادتني سيّدة فاضلة بسيارتها وأنا أتبعها بسيارتي حتّى المكان الذي ووري فيه صديقي التراب، وكدت ألاّ ألحق لإلقاء نظرة أخيرة على الجثمان الطّاهر وهو يوضع في قبره. فبالمرحوم جمعتني صداقة وزمالة امتدّت سنوات ضمّنا خلالها مكتب واحد في بلديّة جربة، وكنت أحبّه جدّا لطيبته ونقاء سريرته وبراءته الطفوليّة. كان جربيّا محافظا بكلّ ما تعنيه المحافظة من أصالة ومن قيم وثوابت، ومن سلوك يجعله إلى المعصوم أقرب.. كان دوما هادئا بشوشا قانعا سعيدا، حكيما، ذا مبادئ هي كالحجر الصّلد لا تلين، وفي قلبه حبّ لآل بيته ولأصحابه وللنّاس أجمعين لا يستكين..
-
عرفته أستاذا لي في مادّة العربيّة حال تخرّجه من الجامعة، وتوثّقت صلة الصّداقة بيننا منذ ذاك. ذلك أنّ الأستاذ الحسين الطبجي لم يكن أستاذا بالمعنى العادي للكلمة، بل كان قريبا جدّا من تلاميذه صديقا أو أخا أكبر مع حفظ المسافات، فقد جاء إلى المعهد الفنّي آنذاك رفقة عدد من زملائه المتخرّجين حديثا (عمر سعود، الشاذلي قاري مثالا) فأحدثوا ثورة في العلاقة ما بين الأستاذ وبين التلميذ، ما جعل من الدّرس يلقيه أستاذي الحسين الطبجي حلبة نقاش مفيد ينقُش المعلومة في ذهن المتلقّي دون شعور منه بعد أن يلفّها بمسحة من الجماليّة الفكهة. وكنّا في قسمنا صعاليك بالمعنى الإيجابي، ذلك أنّ من حيث البنية الجسديّة طولا وعرضا وحتّى من حيث السنّ لم نكن بعيدين عن أستاذنا الحسين الطبجي، بل كانت اللحيّ تكسو وجوه أغلبنا دونما في ذلك إعلان عن انتماء ديني أو تقوى زائدة، بل لعلّ ما كان سائدا في عهدنا أواسط السبعينات طغيان الانتماء إلى اليسار الذي إليه كان ينتمي أستاذنا، وهذا فهمناه بعد ذلك بسنوات حين تفتّحت أعيننا وأذهاننا على المذاهب السياسيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت. ولمّا انتفض أحدنا يوما محتجّا على نعتنا بالصّعاليك، انبرى أستاذي الحسين الطبجي يلقي درسا في مفهوم الصّعلكة فروّضها، وألانها وجمّلها حتّى جعل منها مبعث فخر ونعت رجولة وفحولة وصفة لا تليق إلاّ بالرّجال الأشدّاء الذين لا يخافون في الحقّ لومة لائم، وفي الانتصار للعدل جور حاكم ظالم، فهدّأ من روع زميلنا حتّى استكان وأضحى منذ ذلك الحين حين نسأله من هو، يقول: أنا صعلوك ابن صعلوك من أشدّ الصعاليك صعلكة.
Explore
Resource type
- Blog Post (1)
- Book (2)
- Book Section (6)
- Encyclopedia Article (5)
- Forum Post (12)
- Magazine Article (1)
- Newspaper Article (4)
- Presentation (5)
- Report (1)
- Web Page (2)