Votre recherche

Dans les auteurs ou contributeurs
Année de publication
  • لم تشهد جزيرة جربة في تاريخها (لا قبل ولا بعد) جنازة في حجم جنازة المرحوم طيّب الذّكر عبد الحميد القاضي. فلقد حضر مراسم توديعه الوداع الأخير ومواراته التراب أكثر من عشرين ألفا من كلّ الأعمار والأطياف، ومن كلّ المستويات والوظائف، ومن كلّ الجهات والمدن. وبقدر ما كانت وفاته فجئيّة، بقدر اللّوعة والأسى اللّذيْن غمرا القلوب حزنا وأسفا على رحيل رجل أحبّه النّاس لصفاته الفضلى، ومآثر له ظلّت حديثهم إلى يوم النّاس هذا. ولا يُذكر اسمُه ـ ما يزيد عن الخمسين عاما بعد وفاته ـ إلاّ بالثّناء والتوقير.

  • سأحدّثكم كلّ أسبوع عن شخصيّة من الشخصيات التي عرفتُ في حياتي، وهي كثيرة ذلك أنّ الأيّام تمرّ وتغمر بالنّسيان أناسا كانت لهم خصائص وخصال، رجال ونساء تركوا في الذّاكرة منّى صورة ومكانة. قد أذكّركم بأناس عرفتموهم ولكن بهتت ذكراهم في أذهانكم، وقد أروي لكم تفاصيل ما عرفتموها رغم معرفتكم بالشخوص ذاتها. ذلك من المؤسف حقّا ـ في اعتباري ـ أن لا يبقى منهم ما يبصّر جيلنا والقادم عن حقائق ومزايا وخصال أناس ملؤوا دنيانا قيما وأخلاقا ومثّلوا في وقتهم مراجع في النّبل والإخلاص والإيمان الصّافي الصّادق البعيد عن كلّ ابتذال أو تديّن مريب.

  • من النْاس من تحبّهم، ومنهم ـ إلى جانب المحبّة الخالصة ـ من يتولّد لديك عشق لهم لما به يتّصفون من خُلُق نادر، وأصالة متجذّرة، وحكمة راكمتها السنّون والتّجارب، وصقلها ذكاء وقّاد اكتُسب من مسيرة حافلة عركتها الحياة بما فيها من حلو ومرّ. وصديقي المرحوم رمضان الخيروني كان من ضمن الذين أحببتُهم للصّفات التي ذكرت وغيرها ممّا لا يحصيها عدّ، وكنت أجد متعة لا توصف في الجلوس إليه والاستماع لما يقول. كان هرما من أهرامات القيم النّبيلة تأصّلت فيه منذ الصّغر بفضل البيئة التي وُلد فيها والثّقافة الشعبيّة التي اكتسبها صغيرا، بنى حياته لبنة لبنة، خطوة خطوة، ومن كلّ خطوة كان يتعلّم الوقوف بثبات حتّى لمّا استوى علما، حافظ على ثوابت فيه تجذّرت، وبعد نظر هو ميزة ميّزته فأكسبته حسن التمييز وصواب المواقف والقرار الموفّق.

  • عرفته أستاذا لي في مادّة العربيّة حال تخرّجه من الجامعة، وتوثّقت صلة الصّداقة بيننا منذ ذاك. ذلك أنّ الأستاذ الحسين الطبجي لم يكن أستاذا بالمعنى العادي للكلمة، بل كان قريبا جدّا من تلاميذه صديقا أو أخا أكبر مع حفظ المسافات، فقد جاء إلى المعهد الفنّي آنذاك رفقة عدد من زملائه المتخرّجين حديثا (عمر سعود، الشاذلي قاري مثالا) فأحدثوا ثورة في العلاقة ما بين الأستاذ وبين التلميذ، ما جعل من الدّرس يلقيه أستاذي الحسين الطبجي حلبة نقاش مفيد ينقُش المعلومة في ذهن المتلقّي دون شعور منه بعد أن يلفّها بمسحة من الجماليّة الفكهة. وكنّا في قسمنا صعاليك بالمعنى الإيجابي، ذلك أنّ من حيث البنية الجسديّة طولا وعرضا وحتّى من حيث السنّ لم نكن بعيدين عن أستاذنا الحسين الطبجي، بل كانت اللحيّ تكسو وجوه أغلبنا دونما في ذلك إعلان عن انتماء ديني أو تقوى زائدة، بل لعلّ ما كان سائدا في عهدنا أواسط السبعينات طغيان الانتماء إلى اليسار الذي إليه كان ينتمي أستاذنا، وهذا فهمناه بعد ذلك بسنوات حين تفتّحت أعيننا وأذهاننا على المذاهب السياسيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت. ولمّا انتفض أحدنا يوما محتجّا على نعتنا بالصّعاليك، انبرى أستاذي الحسين الطبجي يلقي درسا في مفهوم الصّعلكة فروّضها، وألانها وجمّلها حتّى جعل منها مبعث فخر ونعت رجولة وفحولة وصفة لا تليق إلاّ بالرّجال الأشدّاء الذين لا يخافون في الحقّ لومة لائم، وفي الانتصار للعدل جور حاكم ظالم، فهدّأ من روع زميلنا حتّى استكان وأضحى منذ ذلك الحين حين نسأله من هو، يقول: أنا صعلوك ابن صعلوك من أشدّ الصعاليك صعلكة.

  • عفوا إن أنا سأتحدّث عن نفسي في كلمات قليلة بداية هذا النصّ الذي أحيّي من خلاله ذكرى شخص عزيز على قلبي أحببتُه محبّة الإبن لأبيه طيلة ما عاش، وما زلت أذكره بحنين إلى يوم النّاس هذا ثلاث عشرة سنة بعد وفاته: عمّي سليمان الفرجاني. سأتحدّث عن نفسي فأقول: أنا أتمتّع بذاكرة خارقة للعادة، وهذا منذ صغري، وقد أفاجؤكم بالقول إنّي أذكر مشاهد من «حفل» ختاني وكان عمري لا يتجاوز عاما ونصفه. أجل إلى الآن بقيت في ذهني ذكرى تلك اللّيلة ويعود إلى فكري لون الثياب الذي كانت ترتديه زوجة خالي رقيّة، وحيرة أمّي وإشفاقها عليّ، وحتّى لون البلوزة العربي التي كان يرتديها الطهّار المرحوم ابراهيم بطّيخ أذكره، إلاّ الألم فذلك قد نسيته، بعد أن كبرت فنسيت، كما يُقال. أحفظ جيّدا أرقام الهاتف. ويحدث كثيرا أن لا أستعمل بتاتا رقما أحفظه، ويوم أحتاج إليه وإن بعد سنوات، أجده في ذهني نائما، كذلك أرقام السيّارات، يمكن لي أن أعطيك بالتدقيق أغلب من يوجد داخل نزل أو مغازة من خلال أرقام السيّارات الموجودة في المأوى المخصّص لها. ويقع أحيانا أن لا أدخل إلى مكان لوجود شخص فيه عرفت وجوده من خلال سيّارته. أكثر من ذلك، قد لا ألتقي لعشرات السّنين شخصا عرفتُه وقد باعدت بيننا ظروف الحياة ومتطلّبات الدّنيا، وحين ألتقيه مجدّدا ينزل في ذهني للتوّ شريط كامل مصوّر يحكي مجمل اللّقاءات التي جمعتني وإيّاه في زمن مضى بالتّاريخ، وبالتفاصيل، بل وتعود معه أيضا تواريخ وأسماء وأمكنة.. أحد الولاة ممّن عرفتُ في حياتي، التقيته بعد خمسة وعشرين عاما فوجئ خلال حديثه معي بكمّ الذكريات التي بها ذكّرته حتّى خُيّل إليه أنّي استعددتُ للقائي معه، فقلت: أبدا، فالصّدفة هي التي جمعتنا.. و ـ مرّة أخرى ـ لا تتعجّبوا، فقد حدث مرّات أن وجدت تسجيل أحد لقاءاتي الصحفيّة الهامّة لا شيء فيه لعطب لم أتفطّن إليحكاية هذه المرأة غريبة، وأغرب ما فيها أطوارها التي نسجها القدر كأنّما أراد من خلالها أن يثبت لبني البشر أنّهم في هذه الحياة الدّنيا مسيّرون لا مخيّرون. عندما جاءت إلى المحبوبين كانت بنفس متفتّحة على الدنيا، شابة لم تتخطّ بعدُ ربيعها الثّاني والعشرين فوجدت نفسها دفعة واحدة في مجتمع يعمه في ظلام الجهل تحت كلاكل الاستعمار، فأرادت بما أمكنها المساهمة في رفع مستوى أهله ـ أو على الأقل النساء فيه ـ فكان أن مرّت على يديها الآلاف من بنات المحبوبين اللاّئي تعلّمن بفضلها القراءة والكتابة. ولكن ـ قبل ذلك ـ لهذه المرأة قصّة لا بدّ أن نبدأها من بدايتها.ه خلال اللّقاء، وأبدا أن عدت إلى ضيفي أستسمحه في إعادة التسجيل، بل أعتمد على ما بقي في ذهني خلال اللّقاء، وأكتب الحديث وأنشره اعتمادا على الذّاكرة دون زيادة أو نقصان، ويلقى إعجاب محدّثي الذي يشكرني على أمانتي الصحفيّة. شيء وحيد أنا فيه ضعيف: تحديد الأمكنة. قد أذهب إلى مكان ما عشرات المرّات، ويوم أريد العودة إليه وحدي أحار وأتوه، ولا أسلك الطريق المؤدية إليه فأضيع. ماذا تريدون ! ما يعطيهاش كاملة. الحمد للّه.

  • حرصتُ جدّا ـ ظهر اليوم ـ على أن أحضر موكب دفنه، ما كلّفني ساعة وبعضها تائها في الجادّات ما بين طوابي الماي، فلم يكن من السهولة بمكان الوصول إلى المقبرة لولا طيبة الأهالي، وتطوّع نساء القرية لإرشادي، ولمّا لم أهتد إلى المكان قادتني سيّدة فاضلة بسيارتها وأنا أتبعها بسيارتي حتّى المكان الذي ووري فيه صديقي التراب، وكدت ألاّ ألحق لإلقاء نظرة أخيرة على الجثمان الطّاهر وهو يوضع في قبره. فبالمرحوم جمعتني صداقة وزمالة امتدّت سنوات ضمّنا خلالها مكتب واحد في بلديّة جربة، وكنت أحبّه جدّا لطيبته ونقاء سريرته وبراءته الطفوليّة. كان جربيّا محافظا بكلّ ما تعنيه المحافظة من أصالة ومن قيم وثوابت، ومن سلوك يجعله إلى المعصوم أقرب.. كان دوما هادئا بشوشا قانعا سعيدا، حكيما، ذا مبادئ هي كالحجر الصّلد لا تلين، وفي قلبه حبّ لآل بيته ولأصحابه وللنّاس أجمعين لا يستكين..

Dernière mise à jour : 14/05/2026 23:00 (UTC)